السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

433

مفاتيح الأصول

متواتر ولا في مطلق الخبر المتواتر فإن غفلة المشاهدين إلى غيرهم بغير واسطة متواترة وليس له طرفان وواسطة ومنها أن لا يكون السّامع عالما بما أخبروا به قبل ذلك وهذا الشرط قد صرّح به في التهذيب والمبادي والنهاية والمنية وغاية البادي والبداية والمعالم والإحكام وقد صرّح بدعوى الاتفاق عليه في النهاية وبعض شروح المبادي واحتج عليه في المنية بحجة عقليّة فقال يشترط أن لا يكونوا عالمين بمدلول الخبر اضطرارا كمن أخبر عما شاهده لأنه إن أفاد ذلك الخبر علما لكان إما عين العلم الحاصل بالمشاهدة فيلزم تحصيل الحاصل وهو محال بالضرورة وإما غيره فيلزم اجتماع المثلين وهو محال أيضا ولا يجوز أن يكون مفيدا لتقوية العلم الحاصل أولا لأنا فرضناه ضروريا والضروري يستحيل أن يتقوى بغيره ثم قال وفيه نظر للمنع من لزوم اجتماع المثلين على تقدير أن يحصل بالخبر علم مغاير للأوّل لجواز مخالفته إياه بالنّوع وإن ساواه في التعلَّق بالمعلوم ومن استحالة تقوية الضروري بغيره انتهى وقد أشير إلى ما ذكره من الحجة في جملة من الكتب ففي النهاية والتهذيب والبداية يشترط أن لا يكونوا عالمين بما أخبروا به اضطرارا لاستحالة تحصيل الحاصل ومثله التقوية في الضروري وزاد في الأخير فقال لأن العلم يستحيل أن يكون أقوى مما كان وفي المبادي وغاية البادي والمعالم والإحكام يشترط ذلك لاستحالة تحصيل الحاصل انتهى ولم يذكر هذا الشرط في المعارج والزبدة والمستصفي ومنها أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا به لا ظانين فلو كان كلَّهم أو بعضهم ظانا بما أخبر به لم يحصل العلم وقد صرّح بهذا الشرط في المعارج والنهاية والمنية وغاية البادي والمستصفي والأحكام وقد صرّح بدعوى الاتفاق في النهاية والأحكام واحتج عليه في غاية البادي بأنه لا يلزم من اجتماع الظنون علم وفي المستصفي الشرط الأوّل أن يخبروا عن علم لا عن ظن فإن أهل بغداد إذا أخبرونا عن طائر أنهم ظنوه حماما أو عن شخص أنهم ظنوه زيدا لم يحصل لنا علم بكونه حماما وبكونه زيدا ليس هذا معللا حال بأن المخبر لم يزد على حال المخبر لأنه كان في قدرة الله تعالى أن يخلد لنا بخبرهم وإن كان عن ظن ولكن العادة غير مطردة انتهى ويظهر من العضدي المناقشة فيما ذكروه فإنه قال وقد شرط فيه قوم شرطا رابعا وهو كونهم عالمين بالخبر غير ظانين وهو غير محتاج إليه لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين مقلَّدا فيه أو ظانا أو مجازفا وإن أريد علم البعض به فهو لازم مما ذكر من القيود الثلاثة عادة لا يجتمع إلا والبعض عالم قطعا انتهى ولعلَّه لما ذكره لم يذكر بهذا الشرط في التهذيب والمعالم والبداية والزبدة ومنها ما ذكر في جملة من الكتب ففي الغنية الأخبار المتواترة على ضربين أحدهما يحصل العلم عندها لكل عاقل سمعها بلا شك كالإخبار عن البلدان والحوادث العظيمة والآخر يحصل به بنظر واستدلال كالإخبار عن معجزات النبي صلى الله عليه وآله التي هي سوى القرآن وأخبار النّص الجلي على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والضرب الأول قال قوم إن العلم الحاصل عنده ضروري وقال آخرون إنه مكتسب ونحن نجوز كونه على كل واحد من الأمر ولا نقطع على أحدهما لعدم الدليل الدّال على ذلك والضرب الَّذي يحصل العلم عنده بنظر واستدلال في صفة المخبر له شروط ثلاثة أحدها بلوغهم من الكثرة إلى حد لا يجوز معه في العادة اتفاقا الكذب منهم من الخبر الواحد لأنهم متى لم يكونوا كذلك ويعلم ذلك من حالهم لم يأمن أن يكون الكذب وقع منهم اتفاقا كما يجوز ذلك في الواحد والاثنين وثانيها أن يعلم أنهم لم يجمعهم على الكذب جامع في تواطؤ أو ما يجري مجراه لأنا متى لم نعلم ذلك لم نقطع على الصّدق وثالثها أن يعلم ارتفاع اللبس والشبهة عما أخبروا عنه لأنها تدعو الجماعات الكثيرة إلى الكذب كإخبار الخلق الكثير من المبطلين عن مذاهبهم الفاسدة لأجل الشبهة الداخلة عليهم وهي تقوم مقام التواطؤ في الجمع على الكذب هذا إذا كانت الجماعة تخبر عن المخبر عنه بلا واسطة فإن كان هناك واسطة وجب اعتبار هذه الشروط في الواسطة بينهم وبين المخبر عنهم وإلا لم نقطع على صدقهم وإذا تكاملت هذه الشروط بطل كونه كذبا وفي ذلك يكون صدقا لأنه لا واسطة بينهما وفي التهذيب يشترط أن لا يسبق شبهة إلى السامع أو تقليد ينافي موجب الخبر وهذا شرط اختصّ به السيّد المرتضى وهو جيّد وفي النهاية قال السيّد المرتضى يجب أن لا يكون السامع قد سبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر لأن العلم الحاصل عقيب التواتر إذا كان للعادة جاز أن يختلف باختلاف الأحوال فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك ولا يحصل له إذا اعتقد ذلك قال السيّد وإنما احتجنا إلى هذا الشرط لئلا ينالها أي فرق بين خبر البلدان والأخبار الواردة بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله غير القرآن كحنين الجذع وانشقاق القمر وتسبيح الحصى وأي فرق أيضا بين الخبر عن البلدان وبين النص الجلي على أمير المؤمنين عليه السلام الذي ينقله الإمامية وإلا جاز أن يكون العلم بذلك كله ضروريّا لا يقال يلزمكم أن تجوزوا صدق من أخبر بأنه لم يعلم بوجود البلدان الكبار والحوادث العظام بالأخبار المتواترة لأجل شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء ولا شبهة في نفيها وفي المبادي يشترط أن لا يكون قد سبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد ينفي موجب الخبر وفي المنية الثاني أن لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسامع يوجب اعتقاد نفي موجب الخبر أي مدلوله وهذا الشرط اختصّ اعتباره بالسيّد المرتضى وتابعه على ذلك محقق الأصوليين وهو الحق وبه يندفع ما قد يحتج به المشركون من اليهود والنّصارى وغيرهم على انتفاء معجزات الرسول صلَّى اللَّه عليه و